صديق الحسيني القنوجي البخاري
47
فتح البيان في مقاصد القرآن
معناه الإضافي إلى يوم الدين معنى ثان ، فإن من كان له الملك في مثل هذا اليوم الذي هو يوم الجزاء لكل العباد وفيه يجتمع العالم أولهم وآخرهم ، سابقهم ولا حقهم ، جنهم وإنسهم ، وملائكتهم ، فيه إشارة إلى استحقاقه إخلاص توحيده . السابع عشر : ما يستفاد من نفس لفظ الدين من غير نظر إلى كونه مضافا إليه . الثامن عشر : ما يستفاد من تعريفه ، فإن في ذلك زيادة إحاطة وشمول فإن ذلك الملك إذا كان في يوم هو يوم الدين الذي يشتمل على كل دين كان من له هذا الملك حقيقا بأن يخلص العباد توحيده ويفردونه بالعبادة كما تفرد بملك يوم له هذا الشأن . فإن قلت إن هذين المعنيين في لفظ الدِّينِ باعتبار أصله وباعتبار تعريفه قد أخذا في المعنى الإضافي حسبما ذكرته سابقا . قلت لا تزاحم بين المقتضيات ولا يستنكر النظر إلى الشيء باعتبار معناه الإفرادي تارة وباعتبار معناه الإضافي أخرى ، وليس ذلك بممنوع ولا محجور عند من يعرف العلم الذي تستفاد منه دقائق العربية وأسرارها وهم أهل علم المعاني والبيان . التاسع عشر : والموفى والحادي والعشرون : قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ فإن تقديم الضمير معمولا للفعل الذي بعده يفيد اختصاص العبادة به ، ومن اختص بالعبادة فهو الحقيق بإخلاص توحيده ، ثم مادة هذا الفعل أعني لفظ نعبد تفيد معنى آخر ، ثم المجيء بنون الجماعة الموجبة لكون هذا الكلام صادرا عن كل من تقوم به العبادة من العابدين كذلك ، فكانت الدلالات في هذه الجملة ثلاثا الأولى في : إِيَّاكَ مع النظر إلى الفعل الواقع بعده الثانية : ما تفيده مادة نعبد مع ملاحظة كونها واقعة لمن ذلك الضمير عبارة عنه وإشارة إليه الثالثة : ما تفيده النون مع ملاحظة الأمرين المذكورين ولا تزاحم بين المقتضيات . الثاني والعشرون والثالث والعشرون والرابع والعشرون : قوله : وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ فإن تقديم الضمير معمولا لهذا الفعل له معنى ، ثم مادة هذا الفعل لها معنى آخر فإن من كان لا يستعان بغيره لا ينبغي أن يكون له شريك ، بل يجب إفراده بالعبادة وإخلاص توحيده إذ وجود من لا يستعان به كعدمه . وتقرير الكلام في الثلاث الدلالات كتقريره في إياك نعبد فلا نعيده . الخامس والعشرون والسادس والعشرون والسابع والعشرون : قوله : اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ فإن طلب الهداية منه وحده باعتبار كون هذا الفعل واقعا بعد الفعلين اللذين تقدم معمولهما فكان له حكمهما وإن كان قد تغير أسلوب الكلام في الجملة ، حيث لم يقل نستهدي أو نطلب الهداية حتى يصح أن يكون ذلك الضمير المتقدم المنصوب معمولا له تقديرا ، لكن مع بقاء المخاطبة وعدم الخروج عما